الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني
574
المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » انك لم تجد ما وجدته لهذه الالفاظ من المزية الظاهرة الا لامر يرجع إلى تركيبها ، وانه لم يعرض لها هذا الحسن الا من حيث لاقت الأولى بالثانية ، والثالثة بالرابعة ، وكذلك إلى آخرها ، فان ارتبت في ذلك فتأمل : هل ترى لفظة منها لو اخذت من مكانها وأفردت من بين أخواتها ، كانت لابسة من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية ؟ ومما يشهد لذلك ويؤيده : انك ترى اللفظة تروقك في كلام ، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها ، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة ولا عرف اسرار الالفاظ في تركيبها وانفرادها ، وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته ، وهو : انه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر ، فجاءت في القرآن جزلة متينة ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة . فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين ، اما الآية فهي قوله تعالى : « فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ » واما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي : تلذ له المروءة وهي تؤذي * ومن يعشق يلذ له الغرام وهذا البيت من ابيات المعاني الشريفة ، الا ان لفظة « تؤذى » قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن ، فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها ، وحسن موقعها في تركيب الآية ، فانصف - أيها المتأمل - لما ذكرناه واعرضه على طبعك السليم ، حتى تعلم صحته ، وهذا موضع غامض يحتاج إلى فكر وامعان نظر ، وما تعرض للتنبيه عليه أحد قبلي ، وهذه اللفظة التي هي « تؤذى » إذا جاءت في كلام : فينبغي